ابن عربي

127

شجون المسجون وفنون المفتون

مثال : لو أنّ ملكا من ملوك الدّنيا وأعدك أن يحضرك لديه في بعض الأيّام ، لكنت ليلتك لا تنام ، بل تهجر الأنام ، وتتجنّب ما لا يجوز من الطّعام ، وتستعدّ بأحسن الكلام ، وبكلّ حالة تبلغك المرام . وقد علمت أنّ الموت آتيك ، وبكلّ حالة يناديك ، فاجعل فكرك فيك ، وخذ ممّا تحبّ ما يكفيك ، فإنّ الملك داعيك ، وأعمالك تلاقيك . فتأمّل هذا المثال ، وخذ به في كلّ حال ، واعمل للمآل قبل أن يبغتك قاطع الآمال . موعظة ووصيّة : كن في جسدك كميت في قبره ، لا يؤنسه إلّا ما عمله « 1 » ، ولا يوحشه إلّا ما قدّمه ، وإنّما تشاهد في رمسك ما تشاهده الآن في نفسك ، فانصرف بفكرك إلى ما يؤنسك في قبرك ، فإنّك وحدك ساكن لحدك ، فإن اشتبهت عليك المعاني فاعرفك بميلك إلى الفاني ، فإنّما لك من حالك ما تصحبه بعد ترحالك « 2 » . معراج : نظم [ مخلع البسيط ] يا أيّها الشّاعر المجيد * إنّي لك النّاصح المفيد دع كلّ واد تهيم فيه * وهم إلى ما به المزيد « 3 » فيك مثال يريك ما لا * ترى ، ونحو الحمى يقود كأنّه قال فيك حالا * يكفيك ما منك تستفيد معراجك الفكر فاصغ واص * عد فهاهنا الوجد والوجود

--> ( 1 ) في م : « ما علمه » . ( 2 ) في م : « ما يصحبك بعد ارتحالك » ( 3 ) أفاد من قوله تعالى في سورة الشعراء : 224 - 225 : وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ ، أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ .